الشيخ محمد هادي معرفة
421
تلخيص التمهيد
الماء هو مهد الحياة الأوّل . وهي حقيقة تثير الانتباه حقّاً ، وإن كان ورودها في القرآن الكريم لا يثير العجب في نفوسنا ، ولا يزيدنا يقيناً بصدق هذا القرآن . فنحن نستمدّ الاعتقاد بصدقه المطلق ، في كلّ ما يقرره ، من إيماننا بأنّه من عند اللَّه ، لا من موافقة النظريات أو الكشوف العلمية له . وأقصى ما يقال هنا كذلك : إنّ نظرية النشُوء والارتقاء لدارون وجماعته لا تعارض مفهوم النصّ القرآني في هذه النقطة بالذات . ومنذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً كان القرآن الكريم يوجّه أنظار الكفّار إلى عجائب صنع اللَّه في الكون ، ويستنكر أن لا يؤمنوا بها وهم يرونها مبثوثة في الوجود « أفلا يؤمنون ؟ » وكلّ ما حولهم في الكون يقود إلى الإيمان بالخالق المدبّر الحكيم . « 1 » وقال أيضاً - عند قوله تعالى : « وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ » - : وهذه الحقيقة الضخمة التي يعرضها القرآن بهذه البساطة - حقيقة أنّ كلّ دابّة خُلقت من ماء - قد تعني وحدة العنصر الأساسي في تركيب الأحياء جميعاً ، وهو الماء ، وقد تعني ما يحاول العلم الحديث أن يثبته من أنّ الحياة خرجت من البحر ونشأت أصلًا في الماء ، ثمّ تنوّعت الأنواع ، وتفرّعت الأجناس . ولكنّنا نحن - على طريقتنا في عدم تعليق الحقائق القرآنية الثابتة على النظريات العلمية القابلة للتعديل والتبديل - لا نزيد على هذه الإشارة شيئاً ، مكتفين بإثبات الحقيقة القرآنية ، وهي أنّ اللَّه خلق الأحياء كلّها من الماء ، فهي ذات أصل واحد . ثمّ هي - كما ترى العين - متنوّعة الأشكال ، منها الزواحف تمشي على بطنها ، ومنها الإنسان والطير يمشي على قدمين ، ومنها الحيوان يدبّ على أربع ، كلّ ذلك وفق سنّة اللَّه ومشيئته ، لا عن فلتة ولا مصادفة . فالنواميس والسُنن التي تعمل في الكون قد اقتضتها مشيئةُ اللَّه الطليقة « إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » « 2 » .
--> ( 1 ) . في ظلال القرآن : ج 5 ص 531 . ( 2 ) . المصدر : ج 6 ص 111 .